السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
399
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ( آل عمران / 45 ) والعناية فيه أنه عليه السّلام خرق عادة التدريج وخلق بكلمة إلهية موجدة قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران / 59 ) . فظاهر سياق الآيات فيما نحن فيه يعطي أن يكون المراد بقوله : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا » كلمة الدعوة الإسلامية وما يلازمها من نبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ونزول القرآن المهيمن على ما تقدم عليه من الكتب السماوية المشتمل على جوامع المعارف الإلهية وكليات الشرائع الدينية كما أشار إليه فيما حكى من دعاء إبراهيم عليه السّلام عند بناء الكعبة رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ( البقرة / 129 ) . وأشار إلى تقدم ذكره في الكتب السماوية في قوله : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ( الأعراف / 157 ) وبذلك يشعر قوله في الآية السابقة : « وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » وقوله الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ( البقرة / 146 ) إلى غير من ذلك الآيات الكثيرة . فالمراد بتمام الكلمة - واللّه أعلم - بلوغ هذه الكلمة أعني ظهور الدعوة الإسلامية بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب ، مرتبة الثبوت واستقرارها في مستقر التحقق بعد ما كانت تسير دهرا طويلا في مدارج التدريج بنبوة بعد نبوة وشريعة بعد شريعة فإن الآيات الكريمة دالة على أن الشريعة الإسلامية تتضمن جمل ما تقدمت عليه من الشرائع وتزيد عليها بما ليس فيها كقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ( الشورى / 13 ) . وبذلك يظهر معنى تمام الكلمة وأن المراد به انتهاء تدرج الشرائع من مراحل النقص إلى مرحلة الكمال ، ومصداقه الدين المحمدي قال تعالى : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ